التركمان عبر الحكومات العراقية: تاريخ من الحضور والتهميش يُعدّ التركمان أحد المكوّنات القومية الأصيلة في العراق، إذ يمتد وجودهم التاريخي لقرون طويلة، ويتمركزون في مناطق مهمة مثل كركوك، تلعفر، طوزخورماتو، آمرلي، بشير، وأجزاء من ديالى ونينوى. ورغم هذا العمق التاريخي والدور الاجتماعي والسياسي الذي أدّوه، إلا أن مسيرتهم عبر الحكومات العراقية اتسمت بالتهميش والإقصاء وضعف التمثيل. في ظل الدولة العراقية الحديثة مع تأسيس الدولة العراقية عام 1921، لم تحظَ القضية التركمانية باعتراف دستوري أو قانوني واضح. ورغم مشاركة شخصيات تركمانية في مؤسسات الدولة، بقي حضورهم محدودًا، ولم تُعترف لغتهم أو خصوصيتهم القومية، لا سيما في المناطق الحساسة مثل كركوك، التي شكّلت بؤرة صراع سياسي وقومي مبكر. الجمهوريات والانتهاكات الممنهجة شهدت مرحلة الجمهوريات المتعاقبة، ولا سيما في ظل الأنظمة الشمولية، أخطر الانتهاكات بحق التركمان. فقد تعرّضوا لسياسات تعريب قسرية شملت تغيير التركيبة السكانية، مصادرة الأراضي، وإقصاء اللغة التركمانية من التعليم والإدارة. كما تعرّضت النخب التركمانية لحملات اعتقال وإعدام، وكان أبرز تلك الجرائم أحداث كركوك عام 1959، التي شكّلت جرحًا عميقًا في الذاكرة الجماعية للتركمان. وخلال عقود الحكم السابق، وجد التركمان أنفسهم ضحية صراعات سياسية وقومية لا ناقة لهم فيها ولا جمل، فدُفعوا ثمن سياسات الإنكار والقمع، وتحوّلت مناطقهم إلى ساحات استهداف مباشر وغير مباشر. ما بعد 2003: آمال لم تكتمل شكّل عام 2003 محطة مفصلية، حيث أُقرّ دستور جديد اعترف بالتعددية القومية واللغوية، ونصّ على المساواة بين المواطنين. إلا أن التطبيق العملي لم يرتقِ إلى مستوى النصوص الدستورية. ورغم الاعتراف باللغة التركمانية كلغة رسمية محلية في بعض المناطق، ومشاركة تركمانية في البرلمان والحكومات المتعاقبة، إلا أن هذه المشاركة بقيت في الغالب شكلية، دون تأثير حقيقي في صنع القرار. التحديات الأمنية والإنسانية تعرض التركمان، ولا سيما بعد عام 2014، لانتهاكات جسيمة على يد تنظيم داعش، شملت القتل الجماعي، التهجير القسري، وتدمير القرى والبنى التحتية، خصوصًا في تلعفر وبشير. كما عانت مناطقهم من هشاشة أمنية مزمنة، نتيجة الصراعات على النفوذ وتعدد القوى المسلحة، ما زاد من معاناتهم الإنسانية والاجتماعية. بين الدستور والواقع ينص الدستور العراقي على عدم التمييز وضمان حقوق جميع المكوّنات، إلا أن الفجوة بين النص والتطبيق ما تزال واسعة. فالتركمان لا يزالون يطالبون بتمثيل سياسي عادل، وإدارة محلية منصفة، وحماية هويتهم الثقافية واللغوية، إضافة إلى إنصاف ضحايا الانتهاكات وتعويض المتضررين. خاتمة إن قضية التركمان في العراق ليست قضية مكوّن بعينه، بل هي اختبار حقيقي لمدى التزام الدولة بمبادئ المواطنة، والعدالة، والتعددية. فاستقرار العراق ووحدته الوطنية لا يمكن أن يتحققا دون إنصاف جميع مكوّناته، وفي مقدمتهم التركمان، بوصفهم جزءًا أصيلًا من نسيجه التاريخي والوطني. بقلم الكاتب احمد نوري علي

المادة السابقة
مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -spot_img
- Advertisment -spot_img

الأكثر شهرة

احدث التعليقات