الرئيسيةالمقالاتإنعدام الرقابة والفساد وجهان لعملة واحدة| حسين حامد النوري

إنعدام الرقابة والفساد وجهان لعملة واحدة| حسين حامد النوري


حين تغيب الرقابة… تبدأ مساحة الفساد بالاتساع لا يبدأ الفساد دائمًا من قرار كبير أو صفقة مشبوهة فقد يبدأ من تغاضٍ صغير، أو إجراء لم يُدقَّق، أو مخالفة لم تجد من يسأل عنها. ومع تكرار هذه الحالات تتحول الاستثناءات إلى ممارسة، والخطأ إلى سلوك، وتصبح المؤسسة أمام مشكلة أكبر من مجرد مخالفة فردية. من هنا تبرز العلاقة الوثيقة بين الرقابة ومكافحة الفساد؛ فكلما كانت الرقابة ضعيفة أو شكلية، ازدادت فرص استغلال الثغرات الإدارية والمالية والتنظيمية. ولهذا فإن عنوان «انعدام الرقابة والفساد وجهان لعملة واحدة» يعكس حقيقة إدارية مهمة: لا يمكن مواجهة الفساد بفاعلية من دون منظومة رقابية حقيقية قادرة على الوقاية والكشف والمساءلة. الرقابة ليست عائقًا… بل حماية للمؤسسة يُنظر أحيانًا إلى الرقابة على أنها وسيلة لمراقبة الموظفين أو البحث عن الأخطاء، بينما وظيفتها الحقيقية أوسع من ذلك بكثير. فالرقابة الفاعلة تحمي المال العام، وتصون القرار الإداري، وتمنع استغلال الصلاحيات، وتكشف مواطن الخلل قبل أن تتحول إلى خسائر يصعب معالجتها. والمؤسسة التي تمتلك نظامًا رقابيًا واضحًا لا تنتظر وقوع المشكلة حتى تبدأ بالتحرك، وإنما تعمل وفق مبدأ الوقاية قبل العلاج، من خلال المتابعة المستمرة، وتدقيق الإجراءات، وتحديد المسؤوليات، والتأكد من تنفيذ القرارات وفق القوانين والتعليمات. أخطر مراحل الفساد تبدأ عندما تصبح المخالفة أمرًا طبيعيًا المشكلة لا تكمن دائمًا في وجود مخالفة واحدة، وإنما في التعامل معها باعتبارها أمرًا عاديًا. عندما تمر مخالفة دون مساءلة، قد يشعر مرتكبها بأن بإمكانه تكرارها. وعندما تتكرر المخالفة أمام الآخرين دون إجراء واضح، تتحول الرسالة من حالة فردية إلى ثقافة داخل بيئة العمل. وهنا يصبح الخطر أكبر؛ لأن الفساد لا يحتاج دائمًا إلى غياب القانون بل قد يستفيد من غياب تطبيق القانون أو ضعف المتابعة أو انتقائية المساءلة. المساءلة… الوجه الآخر للرقابة لا قيمة للرقابة إذا لم تكن نتائجها قابلة للمتابعة والمساءلة. فالمطلوب ليس جمع التقارير وتسجيل الملاحظات فقط، وإنما تحديد الخلل، ومعرفة أسبابه، وتحديد المسؤولية عنه، واتخاذ الإجراء المناسب وفق الأصول القانونية. كما أن المساءلة العادلة يجب أن تستند إلى الأدلة والوقائع والإجراءات القانونية، بعيدًا عن الشخصنة أو تصفية الحسابات أو إطلاق الاتهامات دون إثبات. فالهدف من الرقابة ليس معاقبة الجميع، وإنما حماية المؤسسة وتصحيح المسار ومنع تكرار الخطأ. الفساد لا يضر المال العام فقط قد تكون خسائر الفساد مالية، لكنها لا تتوقف عند المال. فالفساد يضعف كفاءة المؤسسات، ويؤثر في جودة الخدمات ويخلق شعورًا بعدم العدالة بين الموظفين، ويضعف ثقة المواطن بالمؤسسة العامة. والأخطر من الخسارة المالية هو أن يفقد الموظف النزيه شعوره بأن الالتزام والنزاهة لهما قيمة، بينما يحصل المخالف على مكاسب نتيجة غياب الرقابة أو ضعف المساءلة. عندها لا تعود المشكلة فردية، بل تتحول إلى خلل في بيئة العمل نفسها. مكافحة الفساد تبدأ من التفاصيل مواجهة الفساد لا تحتاج دائمًا إلى قرارات استثنائية؛ ففي كثير من الأحيان تبدأ من إجراءات بسيطة لكنها مستمرة: وضوح الصلاحيات، توثيق القرارات، تدقيق المعاملات، الفصل بين المهام، الرقابة الداخلية، الشفافية، حماية المال العام، ومحاسبة المخالف وفق القانون. كما أن التحول الرقمي يمكن أن يسهم في تقليل التدخلات غير الرسمية، وتوثيق الإجراءات، وتسهيل عملية التتبع والتدقيق، بما يجعل القرار الإداري أكثر وضوحًا وقابلية للمراجعة. لا رقابة بلا استقلالية… ولا مكافحة فساد بلا شجاعة الرقابة الفاعلة تحتاج إلى مساحة من الاستقلالية تمكنها من تسجيل الملاحظات دون ضغوط، كما تحتاج إلى إدارة تمتلك الشجاعة لاتخاذ الإجراءات عندما تثبت المخالفة. فالرقابة التي تخشى من تسجيل الملاحظة تفقد جزءًا من وظيفتها، والإدارة التي تعرف بوجود الخلل ولا تتعامل معه تسمح للمشكلة بأن تتوسع. ولهذا فإن قوة المؤسسة لا تقاس بعدد العقوبات التي تفرضها، وإنما بقدرتها على منع الخلل، واكتشافه مبكرًا، ومعالجته بعدالة وشفافية. الخلاصة الفساد لا يعيش في الفراغ؛ إنه يستفيد من الثغرات، ومن ضعف الإجراءات، ومن غياب المتابعة، ومن عدم وضوح المسؤوليات. لكن مواجهة الفساد لا تكون بالشعارات وحدها، ولا باتهام الآخرين، وإنما ببناء مؤسسات تجعل المخالفة قابلة للاكتشاف، وتجعل المسؤولية واضحة، وتجعل القانون فوق الجميع. إن الرقابة ليست خصمًا للموظف، بل حماية للموظف النزيه قبل أن تكون أداة لمحاسبة المخالف. وعندما تصبح الرقابة مستمرة، والمساءلة عادلة، والإجراءات واضحة، والقرار موثقًا، تضيق المساحة التي يمكن أن يتحرك فيها الفساد. فالفساد قد يبدأ من ثغرة صغيرة، لكن الرقابة الواعية تستطيع أن تغلقها قبل أن تتحول إلى بابٍ واسع. رسالة التقرير «لا نحارب الفساد بعد وقوعه فقط؛ بل نبني نظامًا يمنع حدوثه، ويكشفه مبكرًا، ويضمن أن تكون المسؤولية بحجم الفعل، وأن يكون القانون فوق الجميع.»

المادة السابقة
مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -spot_img
- Advertisment -spot_img

الأكثر شهرة

احدث التعليقات