حكاية النضال بعد سيفر من وعدٍ دولي لم يُنفَّذ إلى قرنٍ من الكفاح السياسي والحقوقي بقلم: محمد شمال إسماعيل شكّلت معاهدة سيفر عام 1920 محطة مفصلية في تاريخ الشرق الأوسط، ليس لأنها أعادت رسم حدود ما بعد الحرب العالمية الأولى فحسب، بل لأنها حملت وعودًا واضحة لشعوبٍ حُرمت طويلًا من حقوقها القومية، وفي مقدمتها الشعب الكردي. غير أن هذه الوعود سرعان ما تحوّلت إلى خيبة تاريخية، لتفتح الباب أمام مرحلة طويلة من الكفاح عُرفت بـ النضال ما بعد سيفر. نصّت المعاهدة، ولا سيما في المواد (62–64)، على منح الكرد حكمًا ذاتيًا مع إمكانية الاستقلال مستقبلًا إذا ما عبّر السكان عن إرادتهم بذلك. وللمرة الأولى، بدا أن المجتمع الدولي يعترف—ولو نظريًا—بحق تقرير المصير لشعبٍ له هوية وجغرافيا وتاريخ. إلا أن هذه البنود لم تجد طريقها إلى التنفيذ، بسبب التحولات السياسية والعسكرية التي شهدتها المنطقة عقب الحرب العالمية الأولى. مع صعود الحركة القومية التركية بقيادة مصطفى كمال، جرى رفض معاهدة سيفر واعتبارها باطلة، لتُستبدل بـ معاهدة لوزان عام 1923. مثّلت لوزان انقلابًا سياسيًا وقانونيًا، إذ تجاهلت كليًا الحقوق القومية للكرد، واعترفت فقط بالأقليات الدينية، ما أسقط أي ذكر للحكم الذاتي أو الاستقلال. وهكذا، تحوّل الوعد الدولي إلى نكوص صريح، وبدأت مرحلة الإنكار الرسمي للوجود الكردي. في أعقاب ذلك، اتخذ النضال طابعًا عسكريًا مباشرًا. اندلعت ثورات وانتفاضات كردية متتالية، أبرزها ثورة الشيخ سعيد بيران عام 1925، وثورة آرارات بين عامي 1927 و1930، ثم انتفاضة درسيم في أواخر ثلاثينيات القرن الماضي. لم تكن هذه الحركات مجرد تمردات محلية، بل تعبيرًا عن رفض إلغاء الهوية والحق السياسي، إلا أن الردّ كان قاسيًا، واستخدمت فيه سياسات القمع والترحيل الجماعي، ما أدى إلى فشل تلك المحاولات عسكريًا دون إنهاء جوهر القضية. مع تراجع العمل المسلح، انتقل النضال إلى مسارات أخرى أكثر تنظيمًا. شهدت العقود اللاحقة بروز النضال السياسي والتنظيمي، من خلال تأسيس أحزاب وحركات قومية، إضافة إلى نشاط واسع في المنفى. سعت هذه الجهود إلى إبقاء القضية الكردية حيّة في الوعي الإقليمي والدولي، وطرحها بوصفها قضية شعب حُرم من حقٍ سبق أن أُقرّ له في وثيقة دولية رسمية. إلى جانب السياسة، لعب النضال الثقافي واللغوي دورًا محوريًا في مواجهة سياسات الصهر والإنكار. فقد أصبح الحفاظ على اللغة الكردية، وإحياء التراث، وكتابة التاريخ من منظور الضحية، شكلًا من أشكال المقاومة الهادئة، لكنها عميقة الأثر، وأسهمت في حماية الهوية من الاندثار. في المرحلة الحديثة، اتخذ النضال بعدًا حقوقيًا وقانونيًا أكثر وضوحًا. لم يعد الخطاب مقتصرًا على المظلومية التاريخية، بل استند إلى قواعد القانون الدولي المعاصر، مثل ميثاق الأمم المتحدة والعهدين الدوليين لحقوق الإنسان. جرى توصيف الانتهاكات بوصفها جرائم ضد الإنسانية وانتهاكات ممنهجة لحقوق الأقليات، مع التأكيد على أن حق تقرير المصير حق غير قابل للتصرف ولا يسقط بالتقادم. خلاصة القول، إن النضال ما بعد معاهدة سيفر ليس صفحة من الماضي، بل مسار تاريخي متواصل. كانت سيفر وعدًا دوليًا لم يُنفّذ، وكانت لوزان لحظة إقصاء سياسي، أما ما تلاهما فهو قرن من الكفاح من أجل الاعتراف والكرامة والحق. تغيّرت الأدوات وتبدّلت السياقات، لكن جوهر القضية بقي ثابتًا: شعب يسعى إلى تثبيت حقه في الوجود الحر، كما أقرّته القوانين الدولية، وكما أكدته تضحياته عبر الأجيال.



